الخطيب الشربيني
146
مغني المحتاج
البحر . ( والصحيح ) وحكي عن النص ، ( أن تعلق الدين بالتركة لا يمنع الإرث ) لأن تعلقه بها لا يزيد على تعلق حق المرتهن بالمرهون والمجني عليه بالجاني ، وذلك لا يمنع الإرث فكذا هذا . والثاني : يمنع ، لقوله تعالى : * ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) * ، أي من بعد إعطاء وصية أو إيفاء دين إن كان ، حيث قدم الدين على الميراث . وأجيب بأن تقديمه عليه لقسمة لا يقتضي أن يكون مانعا منه ، وإذا كان الدين لا يمنع الإرث ( فلا يتعلق بزوائد التركة ككسب ونتاج ) لأنها حدثت في ملك الوارث ، أما على المنع فيتعلق بها تبعا لأصلها . خاتمة : قال السبكي رحمه الله تعالى : قد غلط جماعة من المفتين في زماننا في فرع ، وهو إذا كان الدين على الميت للوارث فظنوا أنه يسقط منه بقدر إرثه حتى إذا كان حائزا سقط الجميع ، والصواب أنه يسقط منه ما يلزمه أداؤه لو كان لأجنبي ، وهو نسبة إرثه من الدين إن كان مساويا للتركة أو أقل وما يلزم الوارث أداؤه إن كان أكثر ، ويستقر له نظيره في الميراث ويقدر أنه أخذ منه ثم أعيد إليه عن الدين ، وهذا سبب سقوطه وبراءة ذمة الميت منه ، ويرجع على بقية الورثة ببقية ما يجب أداؤه وعلى قدر حصصهم ، وقد يفضي الامر إلى التقاص إن كان الدين لوارثين . كتاب التفليس هو لغة النداء على المفلس وشهرته بصفة الافلاس المأخوذ من الفلوس التي هي أخس الأموال . وشرعا : جعل الحاكم المديون مفلسا بمنعه من التصرف في ماله . والأصل فيه ما رواه الدارقطني وصحح الحاكم إسناده أن النبي ( ص ) حجر على معاذ وباع ماله في دين كان عليه وقسمه بين غرمائه ، فأصابهم خمسة أسباع حقوقهم ، فقال لهم النبي ( ص ) : ليس لكم إلا ذلك . والمفلس في العرف من لا مال له ، وفي الشرع من لا يفي ماله بدينه كما قال ذاكر الحكمة : ( من عليه ديون ) لآدمي لازمة ( حالة زائدة على ماله يحجر عليه ) وجوبا في ماله إن استقل ، أو على وليه في مال موليه إن لم يستقل ، ( بسؤال الغرماء ) ولو بنوا بهم كأوليائهم لأن الحجر لحقهم . وفي النهاية أن الحجر كان على معاذ بسؤال الغرماء ، فلا حجر بدين الله تعالى وإن كان فوريا كما قاله الأسنوي ، خلافا لما بحثه بعض المتأخرين ، ولا بدين غير لازم كنجوم كتابة لتمكن المدين من إسقاطه . ( ولا حجر بالمؤجل ) لأنه لا يطالب به في الحال . تنبيه : لا يخفى أن لفظ الديون لا مفهوم له ، فإن الدين الواحد إذا زاد على المال كان كذلك ، وكذا قوله : الغرماء . ولا بد من تقييد الدين باللازم كما قدرته في كلامه ليخرج دين الكتابة كما مر ، وما ألحق به من ديون المعاملة التي على المكاتب لسيده ، وقضية كلامه أنه حجر عليه إذا لم يكن له مال ، وتوقف فيه الرافعي فقال : يجوز منعا له من التصرف فيما عسى أن يحدث باصطياد ونحوه ، وهو كما قاله ابن الرفعة مخالف للنص والقياس ، إذ ما يحدث له إنما يحجر عليه فيه تبعا للموجود ، وما جاز تبعا لا يجوز قصدا ، ولا يحجر على المفلس إلا الحاكم ، لأنه يحتاج إلى نظر واجتهاد . وأما أصل الحجر فلان فيه مصلحة للغرماء ، فقد يختص بعضهم بالوفاء فيضر الباقين ، وقد يتصرف فيه فيضيع حق الجميع . قال ابن الرفعة : وهل يكفي في لفظ الحجر منع التصرف ، أو يعتبر أن يقول حجرت بالفلس ، إذ منع التصرف من أحكام الحجر فلا يقع به الحجر ؟ وجهان ، أوجههما كما قال شيخي الأول . قال في الروضة : ويجب على الحاكم الحجر إذا وجدت شروطه : أي سواء أكان بسؤال الغرماء أو المفلس . قال : وقول كثير من أصحابنا فللقاضي الحجر ليس مرادهم أنه مخير فيه ، أي بل إنه جاز بعد امتناعه قبل الافلاس وهو صادق بالواجب . وقول السبكي : هذا ظاهر إذا تعذر البيع حالا ، وإلا فينبغي عدم وجوبه لأنه ضرر بلا فائدة ممنوع كما قاله شيخنا ، بل له فوائد منها المنع من التصرف